جلال الدين الرومي

392

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

( 286 - 301 ) : وكما يكون الأمر كذلك بين المعجزة والسحر يكون بين الايمان والنفاق ، وقد يكون المنافق أكثر من المؤمن حرصا على رعاية الظاهر ، وذلك لكي يغطى كفره ونفاقه ، والمنافقون يزاحمون المؤمنين في العبادات : في الصلاة والصوم والحج ، لكن ما النتيجة ؟ ! كسب للمؤمن وهزيمة ساحقة للمنافق . . . وان كان كلاهما يجرى في مضمار واحد ، إلا أن الفرق بينهما كالفرق بين ساكن مرو ( أقصى الشمال الشرقي لإيران ) والري ( أقصى الشمال الغربى ) . . . كلاهما - وهما يقومان بعمل واحد على وجه التقريب ، يمضيان إلى غايتين بعيدتين عن بعضهما كل البعد ، والمنافق بنفاقه يضع حجباً متراكمة على عين قلبه ، وبناء على اسمه ( من النفق اى المسافة الخفية بين منطقتين منطقة الايمان ومنطقة الكفر ) فإنه كلما أمعن في النفاق أزداد بعدا عن الحقيقة ، لكن ما بال الاسم هنا يكتسب معنى ؟ ! ! يفسر مولانا هذا الأمر قائلًا : إن كل انسان سواء كان مؤمنا أو منافقا يسر إذا لقب بالمؤمن ، ويستاء إذا لقب بالمنافق ، فالاسم هنا كأنه عقرب يلدغ من الداخل ، فكأن اسم المنافق مشتق من النفق ، والنفق مظلم وخفى ومريب ، ويذكر بالدرك الأسفل من النار عاقبة المنافقين الحتمية ، وينتقل مولانا إلى مبحث آخر هو العلاقة بين اللفظ عموماً وبين معناه : فالقبح ليس من اللفظ ، واللفظ مجرد وعاء للمعنى ، وملوحة ماء البحر ليست من الإناء الذي وضعت فيه ، وكلاهما موجود في الدنيا البحر العذب والبحر المالح ، لكن « بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ » ( الرحمن / 20 ) فإذا أردت أن تنجو دعك من الظواهر . . . ودعك من الصنع وانصرف إلى الصانع ، وسله أن يضع محك التمييز في روحك ، وأن يسقيك شربة من أم الكتاب ، أي أساس التمييز بين الحسن والقبيح من اللوح المحفوظ ، أو يرزقك من علمه النذر اليسر ، أو محو الصفات البشرية وإثبات الصفات الروحانية ، أو كما يتضح من الأبيات التالية ، حسن الدين الذي به تستطيع أن تصل إلى حقيقته المتشابهات ، وهذا ما يقصده المصطفى صلى اللّه عليه وسلّم بقوله : " استفت قلبك ولو أفتاك المفتون " ! ( 302 - 311 ) : لأقرب لك معنى حس الدين عن طريق شر حس لك حسن الدنيا : إنك إن أحسست بأن قشة قد دخلت فمك من خلال اللثمة التي تبتلعها تتبعها حتى تعثر عليها وتخرجها . هذا بشرط أن تكون حيا ويكون حس الدنيا حيا فيك ، إذن فلتحيى في نفسك حس العقبى ، حس